السيد محمد تقي المدرسي

24

الإمام الجواد (ع) قدوة وأسوة

السن كان جوابه في هاتين الآيتين المباركتين واضحاً مستبيناً . وكان الإمام الجواد عليه السلام رابضاً بالمدينة وهو الفتى الحديث في السن ، المُقدَّر عند الله والخلق ، قد أعطت الشيعة - وهي يومذاك كثرة لا يُستهان بها - أزمَّتها بيده فنهض بتدبيرها خير نهوض ، حتى التفَّتْ حوله طائفة من أصحاب أبيه وجده . في المدينة : وبقي في المدينة المنورة بعد عهد إمامته زهاء ثمانية أعوام ، يحترمه الخاص والعام ويأوي إليه البعيد والقريب ، يسألونه عما أغمض وأشكل عليهم فيحل ذلك لهم في أسرع وقت . يقول بعض الرواة : « لَمَّا مَاتَ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام حَجَجْنَا فَدَخَلْنَا عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، وَقَدْ حَضَرَ خَلْقٌ مِنَ الشِّيعَةِ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ لِيَنْظُرُوا إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، فَدَخَلَ عَمُّهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً نَبِيلًا عَلَيْهِ ثِيَابٌ خَشِنَةٌ وَبَيْنَ عَيْنَيْهِ سَجَّادَةٌ ، فَجَلَسَ وَخَرَجَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام مِنَ الْحُجْرَةِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ قَصَبٌ وَرِدَاءٌ قَصَبٌ وَنَعْلٌ حَذْوٌ بَيْضَاءُ ، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ وَاسْتَقْبَلَهُ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَامَتِ الشِّيعَةُ وَقَعَدَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام عَلَى كُرْسِيٍّ وَنَظَرَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ تَحَيُّراً لِصِغَرِ سِنِّه . فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقَالَ لِعَمِّهِ : أَصْلَحَكَ اللهُ ! مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَتَى بَهِيمَةً ؟ « 1 » فَقَالَ : تُقْطَعُ يَمِينُهُ وَيُضْرَبُ الْحَدَّ . فَغَضِبَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا عَمِّ ! اتَّقِ اللهَ - اتَّقِ اللهِ - إِنَّهُ لَعَظِيمٌ أَنْ تَقِفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيَقُولَ لَكَ : لِمَ أَفْتَيْتَ

--> ( 1 ) أي باشر ووطئ بهيمة .